الأخــــلاق
والقيــــــادة
تأليف :
الأستاذ : الدكتور
تحسين الطراونه
2010
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والقيادة
تأليف
أ. د. تحسين أحمد الطراونة
قسم العلوم الإدارية
كلية الدراسات العليا
جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
الرياض
2010
الإهــــــداء
إلى أسرة الإدارة العامة في المملكة
الأردنية الهاشمية من الأكاديميين والممارسين لأعمال الإدارة، وإلى زملائي في
جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية .
وإلى زوجتي وأبنائي مع خالص الحب وعظيم
التقدير لدعمهم المتواصل وتفهمهم ومشاركتهم في مراحل إعداد هذا الجهد المتواضع .
المحتويات
الموضوع الصفحة
1. المقدمة 7
2. الباب الأول : 9
§
الفصل الأول : 10
أولاً :
الأخلاق وعلاقتها بالعلوم الأخرى . 10
ثانيا : التطوير التاريخي لعلم الأخلاق 15
ثالثا: تعريف علم الأخلاق 22
رابعاً : مصادر علم الأخلاق 31
§
الفصل الثاني : المذاهب الأخلاقية الغربية 36
أولاً : الأخلاق عند الفلاسفة اليونان 37
ثانياً: الفلسفة النفعية 44
ثالثاً: الفلسفة الوضعية 51
3. الباب الثاني 55
§
الفصل الأول : القانون الأخلاقي في القرآن الكريم 56
أولاً : الفضيلة في القرآن الكريم 58
ثانياً : الالتزام الأخلاقي في الاسلام 62
ثالثاً : السعادة في الفكر الإسلامي 64
§
الفصل الثاني : المفاهيم الأخلاقية في العصر
الحديث 68
أولاً : أخلاقيات الواجب والحقوق
الأخلاقية 68
ثانياً: الأخلاق الاجتماعية 72
ثالثاً:
المقاييس الأخلاقية 72
4. الباب
الثالث : 75
§
الفصل الأول : بعض النظريات الأخلاقية 76
أولاً : نظرية اللذة 76
ثانياً : نظرية السعادة 78
ثالثاً : نظرية المنفعة 79
رابعاً: نظرية الواجب 82
§
الفصل الثاني : القيم الأخلاقية 85
أولاً : القيم الوظيفية في الخدمة العامة 86
ثانياً : أخلاقيات القرارات الإدارية 89
ثالثاً : علاقة الأخلاق بالقرارات
الإدارية 91
رابعاً : أخلاقيات المهنة 94
خامساً: علاقة القيادة الإدارية بأخلاقيات
المهنة 98
الباب الرابع :القيــــــــــــــادة
الإداريـة
الفصل الأول: تعريف القيادة ومداخل دراسة
الفعالية
الموضوع الصفحة
1.المقدمة 103
2. تعريف القيادة 103
3. فعالية القيادة 105
4 .مداخل دراسة فعالية القيادة 106
أولاً: مدخل القوة 106
ثانياً: مدخل السمات 106
ثالثاً: المدخل السلوكي 106
رابعاً: المدخل الموقفي 107
خامساً: المدخل التفاعلي 107
الفصل الثاني:
مداخل دراسة القيادة 112
5.مداخل دراسة
القيادة الإدارية 113
مدخل السمات 113
نظرية
الرجل العظيم 113
المدخل الموقفي (المدخل الاجتماعي) 117 نظرية
فرد فيدلر 118 نظرية فيروم ويلتون 120
نظرية
هيرسي وبلانشارد 121
المدخل التوفيقي ( المدخل التفاعلي) 122
6.النتائج 125
الباب الخامس:
القيادة في الفكر الإداري 126
الفصل الأول
1. المقدمة 127
2. القيادة في الفكر
الإداري التقليدي 127
3.
القيادة في الفكر الإداري الحديث 130 3
/1.مدرسة العلاقات الإنسانية 130
3/2.
نظريات التنظيم الاجتماعي 131
4.أهمية القيادة في الإدارة 133
4/1.الجانب التنظيمي 133
4/2. الجانب
الإنساني 134
4/3. الجانب
الاجتماعي 134
4/4. مجال تحقيق
الأهداف 135ٍ
4/5.
اتخاذ القرارات 136
4 /6. الإطار
الأخلاقي للعمل الإداري 136
الفصل الثاني
5.أنماط القيادة الإدارية 139
5/1.
القيادة الأوتوقراطية 139
5/2.
مزايا ومحاذير القيادة الأوتوقراطية 140
5/3. القيادة الديمقراطية 141 5/4. المشاركة 142 5/5. تفويض السلطة 143 5/6.
مزايا ومحاذير النمط الديمقراطي 143 5/7. القيادة الحرة 144 5/8.
نظرية الشبكة الإدارية 144 5/9. نظرية فيروم ويلتون 147 5/10.
نظرية الهدف والمسار 147
6. الخلاصة 148
الباب السادس :
أخلاقيات القيادة ومشكلاتها
الفصل الأول: :القيادة في الفكر الإسلامي 149
1.
المقدمة 150
2.
مفهوم القيادة وخصائصها في الفكر الإسلامي 150
3.
آراء بعض المفكرين العرب والمسلمين في القيادة 153
4.
أثر الفكر الإسلامي على القيادة العربية 157
5.
أخلاقيات القيادة وقيمها 158
5/1.
الأخلاق والقرارات الإدارية 159
5/2. أخلاقيات المهنة 161
5/3.
الأخلاق والقيادة 163
الفصل الثاني: مشكلات القيادة في الدول النامية
6.
مشكلات القيادة في
الدول النامية 166
6/1.
المشكلات الإدارية 166
6/2. المشكلات البيئية 166
6/3.
المشكلات النابعة من وضع القيادات الإدارية 168
7.
المهارات المطلوبة للمدير الفعال 168
8.
اختيار السلوك القيادي المناسب 172
9.
إرشادات تساعد القائد على التعامل مع المواقف
المختلفة 174
10.
الخلاصة 176
11.
المراجع 177
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
يهدف هذا الجهد المتواضع إلى تقديم موضوع الأخلاق
، كبعد هام من أبعاد القيادة الإدارية ، والإشارة إلى أثر القيادة الإدارية على
أخلاقيات الوظيفة في القطاعين العام والخاص. ومن المعروف أن البعد الأخلاقي للقيادة
الإدارية يستمد جذوره من القيم الأخلاقية
السائدة في المجتمعات على اختلافها . ويشكل الدين في المجتمعات البشرية إحدى
القواعد الرئيسية للقيم الأخلاقية التي يتحلى بها الأفراد والجماعات في هذه
المجتمعات.
ويأتي هذا الجهد في فترة زمنية نشطت بها جهود
الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد الإداري ، والتركيز على المفاهيم الأخلاقية في
القطاعين العام والخاص. ويلاحظ القارئ الكريم أنه ومنذ بداية عقد الثمانينات من
القرن الماضي وامتداداً لعقد التسعينات زادت المؤلفات والكتابات في مجال الأخلاق
المهنية والأخلاق في إدارات الأعمال (Business Ethics).
وهذه الزيادة تعتبر مؤشراً لظهور الأزمات الأخلاقية ( Ethical Crises) في المجتمعات
المعاصرة.
ونظراً لأن معالجة أي مشكلة مهما كان نوعها أو
حجمها أو طبيعتها تتطلب كخطوة أساسية فهم هذه المشكلة حتى تكون المعالجة
فعّالة. فقد جاء هذا الجهد ليساعد القادة
الإداريين والدارسين والمهتمين، بموضوع الفساد الإداري، على فهم وتحليل ومناقشة ومعالجة الأزمة الخلاقية التي
بدأت تتبلور في الكثير من المجتمعات المتقدمة والنامية.
ويطرح هذا الكتاب مواضيع جدلية عديدة على أمل أن
تحظى هذه المواضيع باهتمام الدارسين والباحثين ، لإثراء المعرفة في مجال الأخلاق
الوظيفية. ولا يحاول المؤلف أن يفرض رأياً محدداً أو يصدر أحكاماً دون تقديم أدلة واضحة وكافية. وقد تم ترتيب الموضوعات
وبطريقة مختصرة في ستة أبواب يتكون كل منها من فصلين. ويتعرض الباب الأول إلى
موضوع الأخلاق وعلاقتها بالعلوم الأخرى ومصادر الأخلاق والتطور التاريخي لعلم
الأخلاق ويستعرض بشكل مختصر بعض المذاهب الأخلاقية الغربية التي تشمل مذاهب
الفلاسفة اليونان والفلاسفة النفعيين والفلاسفة الوضعيين.
ويعرض الباب الثاني، بمعالجة مختصرة القانون
الأخلاقي في القرآن الكريم والفضائل الإسلامية وطرق الالتزام الأخلاقي في الإسلام
والمفاهيم الأخلاقية المعاصرة. وأما الباب الثالث ، فقد خصص لعرض بعض النظريات
الأخلاقية والقيم والفضائل الأخلاقية وأثر القيادة الإدارية على أخلاقيات الوظيفة.
ويحتوي الكتاب على قائمة للمراجع العربية والأجنبية ولا يدّعي المؤلف أن هذا الجهد
قد أحاط بكل صغيرة وكبيرة في موضوع البعد الأخلاقي للقيادة الإدارية ولكنه محاولة
لتوفير المادة التي تحوي العديد من المواضيع الجدلية في مجال الأخلاق. وتعالج
الأبواب الثلاثة الأخيرة الرابع والخامس والسادسس موضوع القيادة الإدارية.
حيث يعالج الباب الرابع تعريف القيادة ومداخل
دراستها وبعض النظريات في هذه المداخل ويعالج الباب الخامس أهمية القيادة في الفكر
التقليدي والفكر الحديث ويسعرض بعض الأنماط القيادية في هذه النظريات، أما الباب
السادس فيعالج القيادة في الفكر الإسلامي والعربي ومشكلاتها في الدول النامية.
وأرجو الله، أن أكون قد وُفّقت في تقديم بعض
المعلومات، التي ستسهم. بزيادة الاهتمام في البعد الأخلاقي للقيادة الإدارية،
والتي يمكن أن تسهم بطريقة غير مباشرة في ترشيد قرارات صانعي القرارات الإدارية.
وبخاصة القرارات التي لا تستند إلى تعليمات، أو أنظمة، أو قوانين، وإنما تعتمد على
الاجتهادات الفردية والجماعية للقادة الإداريين من صناع القرارات الإدارية.
والله ولي التوفيق
الأستاذ الدكتور/ تحسين أحمد الطراونة
البـــــاب الأول
- الفصل الأول :
مقدمـــــة
أولاً : الأخلاق وعلاقتها بالعلوم الأخرى
ثانياً: التطور التاريخي لعلم الأخلاق
ثالثاً: تعريف علم الأخلاق
رابعاً : مصادر علم الأخلاق
- الفصل الثاني : المذاهب الأخلاقية الغربية
أولاً : الأخلاق عند الفلاسفة اليونان
ثانياً: الفلسفة النفعية
ثالثاً: الفلسفة الوضعية
-
أميل دوركهايم
-
أوجست كونت
الفصــــل الأول
مقدمة :
يتناول هذا الجزء علاقة الأخلاق بالدين وعلم
الاجتماع وعلم النفس وعلم القانون وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد وعلم اللغة والأدب.
ويركز على سلوك ومفاهيم ومصالح الإنسان ومدى ارتباطها بمختلفة نشاطات الإنسان في
الحياة.
ويستهدف علم الأخلاق الإنسان من خلال الفلسفة
الأخلاقية التي ترسم المثل العليا لسلوكه وتوضح مفاهيم الخير والشر والخطأ والصواب
وما يرتبط بها من قيم أخلاقية يشترك في فهمها جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن
مراكزهم في ذلك المجتمع أو مهنهم أو عملهم. وتشكل هذه القيم الأخلاقية معايير أخلاقية
تساعد الشخص في الحكم على سلوك معين من حيث اتفاقه أو اختلافه مع القيم
الأخلاقية معايير أخلاقية تساعد الشخص في
الحكم على سلوك معين من حيث اتفاقه أو اختلافه مع القيم الأخلاقية التي يشعر الشخص
بإلزاميتها.
ويركز علم الأخلاق على جميع نشاطات الإنسان الدينية
منها والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأكثر من ذلك تصبح الفلسفة الأخلاقية
محدداً لسلوك الفرد أثناء مزاولته لنشاطاته المختلفة، ومن الصعب في الحقيقة الفصل
بين الأخلاق وبقية العلوم الأخرى ولكن لأغراض التبسيط سيتم بحث علاقة الأخلاق
بالعلوم المذكورة أعلاه بشيء من الإيجاز.
أولاً : الأخلاق وعلاقتها بالعلوم الأخرى:
- علاقة الأخلاق بالدين:
يهتم
علم الأخلاق والدين بالإنسان وسنتطرق هنا لعلاقة الأخلاق في الدين الإسلامي مع
التأكيد بأن معظم الديانات تهتم بالإنسان ولا يتسع المجال لمناقشة علاقة الأخلاق بكل ديانة على انفراد ولكن سيركز
هذا الجهد على علاقة الدين الإسلامي بالأخلاق لما لهذا التركيز من فائدة في
المجتمعات الإسلامية.
يعطي الفكر
الإسلامي مكانة عالية للإنسان وقد جاء قوله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم
في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)([1])
تأكيداً للمكانة العالية للإنسان في الفكر والفلسفة الإسلامية.
وعلاقة الأخلاق بالدين علاقة قوية وقد ركز الإسلام
على الإنسان وكرمّه بغض النظر عن جنسه أو لونه أو مستواه العلمي. وتشكل المبادئ
الدينية المنظم لسلوك الفرد في السر والعلن وتوجهه وفق المنهج الديني الذي يكرم
الإنسان ويهديه لما فيه صلاح الفرد والمجتمع. فالعدل والصدق والأمانة والوفاء
بالعهد والرحمة والمساواة جميعها مبادئ في الدين الإسلامي تصلح لبناء المجتمع
المتكامل أو مجتمع العدل والكفاية الذي يجد فيه الفرد العدل ويجد فيه ما يسد حاجته([2]).
وهذه
المبادئ تجدها في المذاهب الأخلاقية التي تسود المجتمعات ومصدر الأخلاق في
الإسلام هو القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين يقول "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". والفلسفة الإسلامية ليست وضعية وإنما دور العقل
يكمن في فهم القرآن والسنة وفهم العقيدة والشريعة والعبادات والأخلاق الإسلامية.
وبعكس الفلسفة الغربية الوضعية التي تهدف إلى وضع نظرية أخلاقية([3]).
وليس من السهل الإحاطة بجميع جوانب الفلسفة
الإسلامية في هذا الجهد المتواضع ولكن يجب الإشارة إلى أن الفلسفة الإسلامية التي
تحدد صلاح المجتمع على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبين أن سلوك الناس
يحكمه ثلاث نزعات هي نزعة الإيثار ونرعة الاستئثار ونزعة المبادلة، وتشكل نزعة
الإيثار الفضيلة وأما نزعة الاستئثار فهي الرذيلة وأما نزعة المبادلة في الحقوق أو
المعادلة فيها فلا تستحق المدح أو الذم([4]).
- علاقة الأخلاق بعلم النفس:
يبحث علم النفس في الشخصية والسلوك وصفات الشخصية
ويركز على الفرد وعلاقته بالآخرين بداخل المنظمات ويهتم بكل ما يحيط الفرد من
مؤثرات تنظيمية واجتماعية ويساعد في فهم الأفراد وتفسير تصرفاتهم ويسهل عمليات
التوجيه والإرشاد والتدريب والإعداد للقوى البشرية بداخل المنظمات. ومن زاوية
الاهتمام بالفرد وسلوكه وأخلاقياته يتفق علم النفس مع علم الأخلاق الذي يركز على
المثل العليا وتعديل الصفات الفردية بحيث تنسجم مع السلوك الأخلاقي الذي يهدف إلى
فعل الخير والصواب ضمن معايير المجتمع الذي يتواجد فيه الفرد([5]).
علاقة الأخلاق بعلم الاجتماع:
يهتم علم الاجتماع بدراسة علاقة الفرد بالمجتمع
وعلاقة الجماعات بداخل المجتمع ويركز على العادات والتقاليد والتنظيم والأخلاق في
هذه المجتمعات. كما أن علم الاجتماع وعلم النفس وعلم السياسة ساهمت في تطوير مفاهيم
السلوك الإنساني الذي يشكل في جوانب منه السلوك المثالي الأخلاقي للأفراد. وعليه
فعلاقة علم الاجتماع بعلم الأخلاق علاقة وثيقة لأنها تدرس العادات والتقاليد
والأنظمة والقوانين التي تحكم سلوك الأفراد وإذا توافقت العادات والتقاليد
والأنظمة والقوانين التي تحكم سلوك الأفراد مع المعايير الأخلاقية بما فيها من
اعتدال تكون العلاقة واضحة وقوية بين الأخلاق وعلم الاجتماع([6]).
وإنه من المهم أن ندرك أن علم الاجتماع يصف
الأوضاع الاجتماعية لمجموعة بشرية دون التدخل بقصد التعديل بها أو التحكم بها ولكن
علم الأخلاق يدرس الفرد والجماعة بقصد الوصول إلى الاعتدال في السلوك دون تطرف أو
مبالغة لأن الاعتدال والتوسط يعتبر لدى الكثير من الكتاب ممثلاً للفضيلة ومصدراً
للقيم الأخلاقية التي يمكن أن تمثل الوسط بين رذيلتين.
ـ علاقة الأخلاق
بعلم البيولوجيا (الأحياء)
تعتبر سعادة الفرد إحدى القيم الأخلاقية التي يمكن
للفرد بلوغها إذا توفرت لديه الحالة الصحية المناسبة وسلامة العقل والأعضاء دون
إفراط في تحقيق هذه السلامة. وكما أن المواظبة على السلامة والمحافظة على صحة
الجسم هي من الخير والإضرار به من الشر. ويدعم رغبة الإنسان في الحياة حاجته للبقاء
مع علمه بأنه فانٍ فإنه ينتقل من غريزة الموت والفناء وكيف يواجه الإنسان بفن
القدر المحتوم ألا وهو الموت . وفن مواجهة الموت تكون بعمل الخير لكل من آمن
بالحياة الآخرة. ويدخل ضمن علاقة الأخلاق بعلم البيولوجيا حسن التوقيت لتنفيذ
الأعمال وتنظيم الشهوات وتنظيم الإشباع لهذه الشهوات([7]).
- علاقة الأخلاق بالقانون
يرى البعض أن القوانين تحدد الإطار الأخلاقي
للأفراد والجماعات فحين ينص المشرع على أمر ما فإنه يحدد بذلك جواز فعل، أو عدم
جوازه ( لا تقتل)، فإن هذه العبارة تعطي للحياة الإنسانية قيمة، وأهمية بالغة ،
وبنفس الوقت تعطي فكرة عن احترام الإنسان وحمايته واعتبار الاعتداء على حياة الفرد
جريمة يعاقب عليها القانون.
وبالرغم من وجود القوانين التي تمثل المستوى
الأخلاقي الذي تعيشه الجماعات فإنه يجب أن يعاد النظر بها من حين لآخر، بحيث تكون
مناسبة لتنظيم حاجات الأفراد والجماعات والضرورية. ويبدو أن أثر الأخلاق يسبق صدور
القوانين أو تعديلها لأنه يمثل صوت الضمير الذي يدفع الفرد لعمل الخير وتجنب
الأضرار بالآخرين حتى في غيبة القانون أو تقادمه أو تضارب مواده([8]).
ـ علاقة الأخلاق
بالسياسة والاقتصاد
يعرف ديفيد إيستن (DAVID
EASTON)
السياسة بأنها التخصيص السلطوي للمصادر النادرة في المجتمع. ويعرفها البعض بأنها
تحديد ( من يستفيد من ماذا، أين، ومتى، وكيف). ويتم ذلك من خلال الأنظمة السياسية
وما بها من أجهزة تشريعية تعمل للفصل في أمور توجيه المصادر نحو الاستخدامات
المتنافسة في الموازنة العامة، وفي تشريع القوانين الأخرى التي تنظم الحياة
الاقتصادية للأفراد ودور الحكومة والقطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية.
وتعرف القيمة الأخلاقية أو الاقتصادية بأنها
الرغبة في موجود ما نظراً لما في هذا الموجود أو الشيء من صفات تبرز هذه الرغبة،
وعندما تكون هذه الرغبة مشروعة ومقبولة اجتماعياً فإنه يلاحظ تطابق الأخلاق مع
المعايير السياسية والاقتصادية.
وخلاصة القول أن الأخلاق ترتبط بالدين وبعلوم
النفس والاجتماع والبيولوجيا والسياسة والقانون والاقتصاد وبمختلف العلوم الأخرى
نظراً لأنها مرتبطة بالإنسان وأفعاله. وهذه الأفعال تمتد لتصل مختلف أنواع المعرفة
التي توصل لها الإنسان بحيث تركز الأخلاق على حسن الانتفاع من هذه المعرفة رغم أن بعض أنواع المعرفة قد يسخرها الإنسان نحو
الهدم والتدمير والقتل غير المبرر وغير المشروع. وعندها تكون الأخلاق على نقيض مع
تسخير المعرفة خارج الحدود التي تخدم المجتمع والتي تؤثر سلبياً في اتجاه بلوغ
مجتمع العدل والكفاية لبني البشر.
ثانياً : التطور التاريخي لعلم الأخلاق:
الأخلاق عند اليونان:
يعيد المؤرخون الفضل للفلاسفة اليونان في تأسيس
علم الأخلاق مستشهدين بنظرية أرسطو الأخلاقية بين عامي (425 – 325) ق.م.
ويؤكد هذا القول العديد من الكتاب الذين اهتموا
بالفلسفة الغربية وتتبع بداياتها. ويرون أن الفلاسفة اليونان أقاموا فلسفتهم على
أساس العقل والمنطق والتجربة والابتعاد عن الدين وتحاشيه([9]).
ويرى العديد من المؤرخين أن لسقراط مساهمة كبيرة
في تأسيس علم الأخلاق وفي رده على السوفسطائية معتبراً آراء السوفسطائية تهدف
لزعزعة المبادئ الأخلاقية والاجتماعية الأمر الذي جعل سقراط يستهدف الإنسان وسلوكه
في فلسفته([10]).
وفي القرن الخامس قبل الميلاد ظهرت في اليونان مجموعة من المعلمين المحترفين
للفلسفة والخطابة عرفت باسم "السوفسطائية" وكان من أشهرهم بروتوجوراس
الذي اعتبر أن الأخلاق نسبية في قوله المشهور "الإنسان مقياس الأشياء
جميعاً"([11]).
وقد ورد هذا القول في دستور مدينة ثوديوم
اليونانية ويستفاد من آراء السوفسطائية أنها أقامت المعرفة على الأساس الحسي
وهذه النقطة التي هاجمها سقراط والذي اعتبر أن المعرفة يجب أن تقام على أساس العقل
والتجربة. هذا فضلاً عن اعتبار الحقائق نسبية نظراً لاستنادها على المعرفة
الحسية والتي تعتبر كذلك نسبية نظراً لأنها مستمدة من مبدأ الذاتية والتي يشكل
الإنسان مقياساً لكل شيء فيها. ومبدأ الذاتية لدى الإنسان يجعل مفهوم الخير ما هو
خير بالنسبة له وبهذا يحقق المبدأ الثاني للسوفسطائية وهو نسبية الخير والأخلاق([12]).
واهتمت فلسفة سقراط في بحث علاقة الإنسان بالإنسان
ويرى أن الأخلاق تكون صحيحة إذا أُسست على علم لدرجة أنه اعتبر "العلم
فضيلة" تصلح لأن تكون أساس المعاملات بين الناس وقد انقسم أتباع سقراط الذي
عاش ما بين (469 – 399 ق.م) إلى فريقين هم : أولاً : الكلبيون (Cynics) وثانياً: القورينائيون نسبة إلى مدينة قورينا من
مدن برقة في شمال أفريقية.
ويرى الكلبيون أن ضبط اللذة والميل نحو الزهد في
الحياة يحقق السعادة وأن الانهماك في اللذة لا يؤدي لصلاح المجتمع وكانوا يدعون
إلى لبس الخشن من الثياب والزهد في المأكل والمشرب وعلى العكس منهم نرى
القورينائيين يميلون إلى طلب اللذة والفرار من الألم وأن السعادة في طلب اللذة إذا
كانت أكبر من الألم الذي ينشأ عند إشباع لذة معينة([13]).
ويقع الكثير ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية بخطأ
التعميم في اعتبار أن اليونان هم أول من أسس علم الأخلاق، والصحيح أن اليونان هم
أول من أسس علم الأخلاق الغربية. ومن اليونان امتد تأثير المبادئ الأخلاقية كجزء
من الفلسفة اليونانية يشمل الحضارة الغربية في فرنسا وبريطانيا وأوروبا والولايات
المتحدة([14]).
والمتتبع لتاريخ
الحضارة في الشرق يجد أن الفلسلفة الهندية والصينية والمصرية قد سبقت اليونان في معالجة مفهوم ومبادئ الأخلاق،
وعليه فإنه لابد من الإشارة وبشكل مختصر لمساهمة الفراعنة والهنود والصينيين في
مجال علم الأخلاق .. والتأكيد أن الحضارات القديمة في الشرق بعضها قد أثر أو تأثر
بالدين.
- أخلاق قدماء المصريين:
يلاحظ من البقايا الأثرية والمخطوطات والبرديات
أنها تشتمل على النصائح والحكم ومن أشهر البرديات البردية المسماة نصائح
"بتاح حوتب" الذي كان وزيراً للملك "رزكاع – اسيس" من
ملوك الأسرة الخامسة. والنسخة الأصلية
محفوظة في متحف اللوفر في باريس وسوف أعود لذكر بعض النصائح الأخلاقية من هذه
البردية.
وهناك نص يقول "لم أرتكب إثماً ضد الرجال ولم
يشعر أحد بالجوع ولم أسبب بكاء أحد، وما أمرت بقتل نفس، ولو ارتكبت جريمة القتل بنفسي،
ولم أسرق أي شخص وما جعلت الناس تخافني... وكنت أمد الجائع بالخبز، وأروي العطشان
بالماء، وكنت أكسي العراة" ويريد صاحب هذا النص المغفرة من الآلهة. ([15])
- ومن نصائح
"بتاح حوتب" لابنه، ما يلي:
"لا يداخلنك الغرور بسبب عملك ولا تتعال
وتنتفخ أوداجك لأنك رجل عالم...
- استشر الجاهل كما
تستشير العالم لأنه ما من أحد يستطيع
الوصول إلى آخر حدود الفن ولا يوجد الفنان الذي يبلغ الكمال في إجادته...".
([16])
وتشمل نصائح "بتاح حوتب" النصائح التي
تحث على الالتزام بالحق والاستماع لشكوى المظلوم وطاعة الوالدين. وتعتبر نصائح
"بتاح حوتب" من أقدم مصادر الأدب في العالم لأنها تركز على أدب السلوك
في الضيافة والأمانة في نقل الرسائل، والتحذير من الشراهة والكرم مع الأصدقاء
واحترام الرؤساء وغيرها لا يتسع المجال لذكرها([17]).
ومن الحكماء المصريين القدماء " امينوبي"
الذي يلاحظ في حكمه ونصائحه التدين والتواضع ومن أقواله : "لا تندفعن بقلبك
وراء الثروة، إذ لا يمكن تجاهل الحظ، فكل إنسان مقدر له ساعته، ويجب عليك أن تتعبد
لله، قل امنحني السلام والصحة، ... وأن الممقوت من الله من يُزور في الكلام، و يؤدي
شهادة كذباً، ولا تستغلن قلمك في الباطل ..." ([18]).
ويبدو أن الحياة المصرية القديمة تأثرت أكبر تأثير
بالدين الذي تمحور حول إلهين هما إله الشمس راع وإله النيل أوزريس. ويظهر هذا في
النصوص الإهرامية التي يعود تاريخ أقدمها إلى (3400 ق.م).
ويعود تاريخ الأسر ابتداء من الأسرة الأولى (3400
ق.م) حتى الأسرة (26) التي دامت من (363 ق.م – 500 ق.م). وهذه الأسر تمثل تاريخ
الدولة القديمة وعهد الإقطاع ثم الإصلاح وبدأ الغزو الفارسي ( 525 ق.م) والغزو
اليوناني (332 ق.م) ثم الغزو الروماني (30 ق.م). " وفي الأخلاق وفي وجهتهم
نحو الحياة استمر الحكماء في المحافظة على روح النظرة السليمة لأرفع المثل العليا([19])
العملية([20]).
وهنا يتم تحذير الشباب من المرأة الأجنبية ويبين أخطار سوء الخلق ويشرح الخطيئة
التي يمكن أن يقع بها الشاب نتيجة إغوائه من المرأة. ويذكر كذلك أن الثروة الحقيقة
هي الثروة التي يكونها الفرد بعمله وليست الموروثة.
ويعود تاريخ وصايا (بتاح حوتب) إلى (2880 ق.م)
بينما وجدت بردية يعود تاريخها إلى أكثر من (3500 سنة) قبل الميلاد، وقد صورت
البردية نظرة متشائمة للكاتب، وهذه البردية محفوظة في متحف (ليدن – هولندا). وتمثل
مجموعة الوصايا العلاقات الأسرية القوية وتعرض دقائق خلقية عالية القيمة. ويقال أن
حكم امينوبي تدل على انتشار التعاليم الخلقية المصرية في فلسطين وغيرها، ويبدو
فيها الحديث عن العلاقة بين الله والإنسان. ([21])
- الأخلاق الهندية:
يرتبط موضوع الأخلاق في الهند بالنظام الاجتماعي
وبالمفاهيم الدينية. ويتكون المجتمع الهندي من أربعة طبقات، هي :1- البراهمية. 2-
الجند. 3- التجار والصناع. 4- الخدم والعبيد. وتربط هذه الطبقات بنظام اجتماعي
يحدد المعايير الأخلاقية لكل طبقة، ويرى البعض أن أساس الطبقات هو العرق وأن بعض
الطبقات تنتمي للجنس الآري، مثل: طبقة البراهمة. بينما يرى البعض الآخر أن أساس
الطبقات هو تقسيم العمل بداخل المجتمع والعمل على توحيدة وتسمى طبقة الجند
(الآكشرية)، وتمتاز بالقوة وبصلاح أفرادها كقادة وقضاه وحكاماً للناس. أما طبقة
التجار والصناع (الوليشية) فعليهم الاهتمام بتجارتهم وأن يتزوجوا من طبقتهم ومعرفة
كل ما يمت لتجارتهم بصلة، مثل: اللغات والأجور وما تحفظ به السلع. وأما الطبقة
الرابعة وتسمى الشودرا أو طبقة ( الخدم والعبيد)، فعلى أفرادها الامتثال لأوامر
البراهمة ولا يحق لهم جمع الثروات أو التطاول على أفراد الطبقات الأخرى، وإذا تعرض
أحدهم بسوء لأي فرد من طبقة البراهمة يعاقب عقاباً جسدياً صارماً([22]).
وأهم معتقدات الهندوسية تشمل الكارما ( قانون جزاء
الأعمال) وتناسخ الأرواح والانطلاق ووحدة الوجود. ولا شك أن كل من هذه المفاهيم
يرتبط بأخلاقيات محددة تنظم سلوك من يؤمن بها ومن الصور الأخلاقية للبراهمة زيادة
الصوم وتعذيب النفس خلال دورات الحياة، ففي الدورة الثانية يكون عائلة، وفي الدورة
الثالثة يكرس نفسه لخدمة المجتمع هو وزوجته. وتتسم دورات حياته الأربعة والتي تبلغ
كل دورة منه (25) سنة بالزهد في الحياة([23]).
وتعكس مفهوم تبعية المرأة للرجل وتحديد أدوار المرأة في خدمة الرجل والعناية في
البيت وتربية الأطفال.
ركز بوذا على التدريب الأخلاقي وشعار أتباعه ضبط
النفس من الشهوات وتنازل أتباعه عن أموالهم وعقاراتهم. واحترام الحياة للكائنات
الحية([24]).
ويذكر البوذيون أربعة حقائق هي: 1- وجود الألم في
الولادة والمرض والموت ومتاعب الحياة. 2- وجود سبب للألم ويكمن هذا السبب في
الشهوة.
3- وهذا السبب قابل للزوال. 4- والوسيلة لزوال السبب موجودة عن طريق "الشعور الصائب، القول الحق، السلوك الحسن، الحياة الفضلى، السعي المشكور، الذكرى الصالحة، التأمل الصحيح"([25]).ويلخص بوذا وصاياه العشرة كما يلي: ([26])
3- وهذا السبب قابل للزوال. 4- والوسيلة لزوال السبب موجودة عن طريق "الشعور الصائب، القول الحق، السلوك الحسن، الحياة الفضلى، السعي المشكور، الذكرى الصالحة، التأمل الصحيح"([25]).ويلخص بوذا وصاياه العشرة كما يلي: ([26])
1-
يجب ألا
تقضي على حياة.
2-
يجيب ألا
تأخذ ما لا يعطى إليك.
3-
يجب ألا تقول ما هو غير صحيح.
4-
يجب ألا تستعمل شراباً مسكراً.
5-
يجب ألا تباشر علاقة جنسية محرمة.
6-
يجب ألا تأكل في الليل طعاماً نضج في غير أوانه.
7-
يجب ألا تكلل رأسك بالزهر وألا تستعمل العطور.
8-
يجب ألا تقتني المقاعد والمساند الفخمة.
9-
يجب ألا تحضر حفلة رقص أو غناء.
10- يجب ألا تقتني
ذهباً أو فضة.
- الفكر الأخلاقي عند الصينيين القدماء:
لقد سبق الفكر الصيني الفلسفة الإغريقية في الحديث
عن أصل الكون والطبيعة الإنسانية والسياسة ومقاييس الحكم الصالح ومن أبرز الفلاسفة
الصينيين فيلسوف الصين الأشهر (كونفوشيوس) (551 ق.م)، وقد ركز هذا الفيلسوف على
الأخلاق على مستوى الفرد والمجتمع ونظام الحكم فيه. ويرى أن الفضيلة موجودة في
النفس البشرية وتظهر بتنمية قوى النفس الخيرة والحق عنده ثلاث درجات هي: (أ) معرفة
مجردة للحق. (ب) شوق للحق ومحبة له. (ج) التزام عملي به مع اطمئنان القلب وارتياحه
للحق.
ويدعو كونفوشيوس لإصلاح المجتمع عن طريق الاختلاط
بالناس بقصد الإصلاح وليس العزلة عنهم والزهد بالدنيا، وإنما العمل والنشاط لإصلاح
المجتمع. وقد تولى الوزارة فصلحت معها واستتب الأمن وعلت الفضيلة كما تشير الوثائق
الصينية، وهو يرى أن القدوة خير وعامل حاسم في الدعوة للأخلاق([27]).
ويرى أن السياسة يجب أن تهدف لإصلاح أخلاق الناس وأهم تأثير للقادة والسياسيين
يكون من خلال أخلاقهم وليس قوانينهم وهو القائل : "إن كان سلوك الرئيس
مستقيماً أطاعه المرؤوسون من غير أن يأمرهم وإن كان غير مستقيم لم يطيعوه ولو
أمرهم"([28]).
ولايتسع المجال للحديث عن فلسفة كونفوشيوس
بتفاصيلها ولكن هذا الفيلسوف كان يرى الفضيلة تكمن في الإنسان وأنه عندما يربي
الإنسان أخلاقياً فلا حاجه للقانون
والعقوبات والقضاة لأنهم سيقبلون على فعل الخير. وقد سبقه وتبعه فلاسفة صينيون اختلفت
فلسفاتهم عن فلسفة كونفوشيوس من حث التطرف في الدعوة للخير أو التشاؤم، أمثال: (
يانج تشو 390 ق.م) و (هسن – تسي) الذي يدعو إلى ضبط النفس ومحاربة اللذات، بينما
نادى يانج تشو للانهماك في الملذات.
ثالثاً: تعريف علم الأخلاق:
عرّف سليم الجابي الأخلاق بأنها تعود في جذورها
إلى صميم المادة وليست موضوع فلسفي، كما يصوره الكثير من المفكرين، ويقول أن
الأخلاق تتعلق بالصفات الطبيعية التي فطر عليها الإنسان والتي تمتد جذورها إلى أصل
وصفات المادة. وتتعلق بالقوى الباطنية للإنسان. وهذه الصفات الطبيعية تشكل الأرضية
للفعالية والعمل والتطور. ويرتبط موضوع الخير والشر بأسلوب استعمال هذه الصفات
بحيث يؤدي حسن الاستخدام إلى الخير وسوء الاستخدام للشر. وكما أن قوى المادة هي
أساس تقدم العالم وتطوره فإن استخدام الصفات الطبيعية المرتبطة بالقوى الباطنية
للإنسان يشكل أساس الأخلاق([29]).
ويعرف علم الأخلاق بأنه " البحث عن المبادئ وترتيبها واستنباطها والكشف عن
أهميتها للحياة الأخلاقية مع بيان الواجبات التي يلتزم الإنسان بها([30]).
وتشير الدراسات الانثروبولوجية أن تاريخ الحضارة البشرية يزخر بالشرائع الأخلاقية
المتقاربة مما يشير إلى أن الأساس الأخلاقي في البشرية فطري. وهذا ينسجم مع تحليل
جابي لجذور الأخلاق.
ويرى الدارس أن المفكرين وعلماء الاجتماع قد صوروا
علم الأخلاق أحياناً بأنه علم معياري يهتم بما يجب أن يكون وحاولوا وضع المبادئ
والمثل الأخلاقية، وأحياناً أخرى اعتبر علم الأخلاق بأنه العلم الذي يهتم بالعادات
وضرورة دراسة القوانين والعادات الخلقية عن الإنسان أو اعتباره علماً وضعياً يخضع
للتجربة.
ويرى السوفسطائيون أن علم الأخلاق يرتكز على كون
الفرد هو مقياس الخير والشر وعارضهم سقراط الذي اعتبر أصل المعرفة بما في ذلك
المعرفة الخلقية هو العقل الذي تقود إليه الحقائق والقيم الثابتة الموضوعية. ولكن
علماء الاجتماع اعتبروا علم الأخلاق ذلك" العلم الذي يحدد القواعد السلوكية
التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة زمنية معينة"([31]).
وعليه فليس من الضروري أن تكون القواعد الأخلاقية ثابتة.
ويؤكد بعض المفكرين أن القوانين الأخلاقية كجزء من
القانون تحمل صفة الالتزام الذي يشعر به الإنسان ويفترض أن يكون الإنسان عند
الالتزام بالقوانين الأخلاقية حر الإرادة حتى يتمكن من الاختيار من بين بدائل
السلوك المتاحة السلوك الذي ينسجم مع القواعد والقوانين الأخلاقية. وحتى يكون
الاختيار واعياً لابد من إعمال العقل في مرحلة الاختيار وعند التنفيذ والالتزام
بالنمط الذي تم اختياره([32]).
ويُعرف الخُلق في اللغة بأنه السجية والطبع
والعادة ويرى بعض علماء المسلمين (ابن مسكويه 421هـ) أن الخلق صورة للنفس تصدر
عنها الأفعال الحسنة والحميدة دون تكلف أو عناء([33]).
وضرورة تهذيب النفس حتى تصبح الأفعال الحسنة ملكة أساسها القيم الأخلاقية. ويرى
البعض أن الأخلاق تطلق على سلوك الفرد الذي يتفق مع عادات مجتمعه كما يشير علماء
الاجتماع الوضعيون.
وأحياناً يسمى صاحب الخلق الحسن " المواطن
الصالح" وقد جاء في معاجم اللغة أن "الخلق: حال للنفس راسخة (ملكة) تصدر
عنها الأفعال من غير حاجة إلى فكر وروية" كما يشير المعجم الوسيط الصادر عن
مجمع اللغة العربية عام 1960 في القاهرة.
ويشير البعض إلى أن الأخلاق تعني قواعد السلوك
وطريقة الإنسان في الحياة. وعند النظر إلى الأصل اليوناني فإن الأخلاق (Ethics) مشتقة من كلمة (Ethos)
اليونانية وكذلك كلمة (Morals) مشتقة من كلمة (Mores) اللاتينية وهما معاً مرتبطتان بالعادات والتقاليد
وهذا ما ذهب إليه علماء الاجتماع بأن الأخلاق علم للعادات في المجتمعات البشرية.
وهناك من يرد الأخلاق إلى الدين بحيث يكون الدين
هو مصدر التزام الفرد بالقيم الأخلاقية أو يرد الأخلاق إلى العقل وسواء كان أصل
الالتزام الدين أو العادات أو العقل فإن هذه الاتجاهات الثلاثة تمثل المسارات
الفلسفية في فهم علم الأخلاق ورده إلى جذوره([34]).
ويضاف إلى ذلك الاتجاه نحو رد الأخلاق إلى أصل المادة نظراً لأن علم الأخلاق يشترك
مع المادة في حالاتها المحكومة بقوانين ثابتة كما يبين سليم جابي.
وهناك من يقول أن علم الأخلاق هو علم الخير وأن
فلسفة الأخلاق تعكسها مظاهر السلوك الهادف لغايات نهائية (Ultimate
Ends)
وتبدو المشكلة الأخلاقية في تحديد الغايات النهائية للسلوك. فهل إشباع رغبة أو
رغبات الفرد يعتبر خيراً أم أن هناك قواعد تحكم عملية اختيار الرغبة التي تعطي
الأولوية في الإشباع؟ والإجابة على هذا التساؤل تظهر مشكلات أخلاقية يعود أساسها لبعض العوامل التالية:
1-
لا يمكن إشباع جميع رغبات الفرد.
2-
أن تجاوز حد الإشباع لرغبة معينة قد يؤدي إلى مضار
كثيرة.
3-
قد تتعارض رغبة شخص مع رغبات الآخرين.
وهذه الاعتبارات الثلاثة تحتم وجود معايير لإشباع
الرغبات دون خلق انعكاسات سلبية وخاصة عند تعارض الرغبات. وهذه المعايير تساعد في
اختيار الرغبة التي تشبع أولاً وكذلك الإشباع المؤقت أو المستمر لرغبة ما أو
الاعتدال في الإشباع. وإشباع رغبة معينة يعتبر خيراً أو يحقق لذة للفرد ما دام هذا
الإشباع لا يتعارض مع الآخرين وقد تنوعت المدارس الأخلاقية في أولوية إشباع أو ضبط
رغبات النفس وصولاً للخير الأسمى الذي يرى بعض الفلاسفة أنه ممكن([35]).فالاعتدال
في الإشباع مقبول من كثير من الفلاسفة ومشروع في الكثير من الديانات كما أن تنظيم
الإشباع وضبطه والتحكم به والابتعاد عن اللذات يمثل تيارات فلسفية تتراوح بين
الفلسفة الأخلاقية والدين.
وخلاصة القول أن الفلاسفة اليونان يعتبرون أصل
الأخلاق يكمن في مفهوم الخير وفعله
ويخالفهم بعض الفلاسفة في أن أصل الأخلاق يكمن في السلوك الملتزم أو قوة الالتزام
التي تجبر الفرد على الاختيار بين بدائل السلوك المتاح في المواقف الاجتماعية في
حياة الإنسان. وقوة الالتزام يردها البعض للعادات بينما يردها البعض الآخر للدين
والقانون ويردها آخرون للعقل الذي يميز الخير من الشر.
ويشير البعض إلى أن السلوك الأخلاقي مكتسب وأن
الطفل أو الإنسان يتأثر بالقدوة " لأن صوت الأعمال أقوى من صوت الكلمات([36]).
ويعرف خير الله طلفاح الخلق بأنه صفة نفسية لا شيئ
خارجي أما المظهر الخارجي للخلق فيسمى سلوكاً أو معاملة والسلوك دليل الخلق
ومظهره" ومثال ذلك من يعطي دائماً يسمى كريماً([37]).
ويعرف البعض الخلق بأنه "عادة الإرادة"
فإذا اعتادت الإرادة على العطاء سمي الشخص كريماً. ومن هذا التعريف يمكن القول بأن
الخلق يرتبط بالعادة والإرادة ويرتبط كذلك بالغريزة وبالوراثة والبيئة نظراً لما
يكتسب الفرد من سمات وراثية متأثرة بالبيئة التي يعيش بها سلفه.
ويذهب البعض إلى أن التربية الخلقية تتطلب سعة
الفكر ومصاحبة الأخيار ومطالعة سير الأبطال والنابغين والأمثال والحكم لأنها أبلغ
في النفس وأقرب إلى الذهن وتوفر الإرادة لتكوين العادات الحميدة والالتزام بها
وتكوين الخلق من خلال التربية بالقدوة الحسنة.
ويرى بعض الكتاب أن علم الأخلاق فرع من فروع
الفلسفة التالية:
1- ما بعد الطبيعة.
2- فلسفة الطبيعة. 3- علم النفس. 4- علم المنطق. 5- علم الجمال. 6- علم الأخلاق.
7- فلسفة القانون. 8- علم الاجتماع وفلسفة التاريخ.
ويعرف علم الأخلاق تحديداً بأنه علم يبحث في
الأعمال التي تصدر عن الإنسان عن قصد واختيار ووعي تام لما يقوم به من الأعمال
ومثل هذه الأعمال التي
يجوز أن يصدر عليها الحكم بالخير أو الشر"([38]).ويكتسب
الفرد سمات بالوراثة مثل الغريزة والإرادة ويكتسب سمات من خلال العادة.
ويعرف الخُلق بأنه " حال للنفس داعية لها إلى
أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعياً
من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب...
(وثانياً) منها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر
ثم يستمر عليه أولاً بأول حتى يصير ملكة وخلقاً"([39]).
جاء في القاموس المحيط أن الخلق يعني
"المروءة والعادة والسجية والطبع والدين"([40]).
وجاء تعريف الأخلاق عند علماء الشرع بأنها "عبارة عن هيئة في النفس راسخة
تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الهيئة بحيث
تصدر عنها الأفعال الجميلة والمحمودة عقلاً وشرعاً سميت تلك الهيئة خلاقا
حسناً" وإن كانت الهيئة يصدر عنها أفعال سيئة سميت خلاقاً سيئاً.
ويجد الدارس معاني متنوعة للأخلاق منها أنها
"كل سلوك خير يقوم به الإنسان بإرادة خيرة ولغاية خيرة"، ومنها أنها
" المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته بغيره نحو تحقيق
الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه" . وعرفت الأخلاق كذلك بأنها
التقيد بأحكام الشرع أمراً ونهياً وفي جميع التكاليف التي تربط الإنسان بخالقه في
العقائد والعبادات، أو تربطه بالمجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات، ويظهر أن
التعريف الأخير مستمد من الدين الإسلامي([41]).
وهناك عينات من التعاريف المستمدة من الشريعة
الإسلامية مثل أن الأخلاق " هيئة النفس وصورتها الباطن" وإنها "
انفعال النفس وتأثرها بما ينبغي أن يكون فيفعل وبما لا ينبغي أن يكون فيترك"
وكذلك أنها " صفة في النفس مستقرة فطرية أو مكتسبة وذات آثار في السلوك
محمودة أو مذمومة".
ومن خلال هذه التعاريف المستمدة من الشريعة
الإسلامية تبين أن الأخلاق تتصف بما يلي:
1-
إن الأخلاق صفة من صفات النفس الراسخة.
2-
إن الأخلاق شاملة للحسن والقبيح من الأعمال.
3-
إن الأخلاق تعني القدرة على القيام بالأفعال
الحسنة والقبيحة.
4-
إن الأخلاق متصلة بعمل الفرد خيره وشره.
5-
إن الأخلاق ترتبط بالظاهر من السلوك والباطن من
النية.
6-
إن الأخلاق تشمل سمات نظرية وأخرى مكتسبة للفرد.
ويرى علماء الاجتماع أن الأخلاق تمثل وسائل ضبط
اجتماعي في المجتمعات وأنها مرتبطة بوجود الجماعة وبعلاقة الفرد بغيره من الأفراد
داخل المجتمع. ومن الأمثلة على هذا الاتجاه تعريف الأخلاق بأنها "القاعدة أو
القواعد السلوكية التي يلتزمها الإنسان
الذي يعيش في جماعة" وكذلك، أنها " قوة راسخة في الإرادة تنزع إلى
اختيار ما هو خير وصلاح إن كان الخلق خيراً ، أو اختيار ما هو شر وفساد إن كان
الخلق ذميماً " ويبدو أن علماء الاجتماع حددوا معالم الأخلاق كما يلي :
1-
أن الأخلاق تمثل ما تضعه الجماعة وتلتزم به من
قواعد وسلوك.
2-
أن الأخلاق مرتبطة بالفرد الذي يعيش في جماعة.
3- أن الأخلاق تنسق
أفعال أفراد الجماعة كوسيلة ضبط اجتماعي تعمل على تنظيم عمل الجماعة بشكل يحقق
الخير للجماعة.
أما علماء النفس فيعتقدون أن الأخلاق مرتبطة بميول
النفس ولهذا فهي داخلية ولا شيء خارجي وأما المظهر الخارجي للنفس فيسمى سلوكاً وهو
مختلف عن الخلق. ويعتبر علماء النفس أن تغلب ميل على ميل آخر باستمرار هو ما يسمى
بالأخلاق فإذا تغلب ميل عمل الخير على الميول الأخرى سمي خلقاً حسناً أو العكس.
ويلاحظ أن علماء النفس يجعلون الفرد هو الأصل بينما علماء الاجتماع يعتبرون
الجماعة في المجتمع هي الأصل. ويلاحظ أن الأخلاق في الفكر الإسلامي جمعت بين اتجاه
علماء النفس واتجاه علماء الاجتماع بحيث أعطت للفرد أهمية من حيث أن الأخلاق صفة
راسخة في الفرد. وركزت على الجماعة كوحدة مكونة للمجتمع فإن صلح الفرد صلحت
الجماعة والمجتمع ولهذا يعني الفكر الإسلامي في مجال الأخلاق بحدود فعل الفرد
وآثاره على الجماعة والمجتمع. فجاءت
النظرة الإسلامية تجمع بين اتجاه علماء النفس واتجاه علماء الاجتماع لتحقيق مجتمع الخير – مجتمع العدل والكفاية، ويتم بهذا
المجتمع الاهتمام بالفطرة الإنسانية والدعوة لتربية الإرادة كوسيلة لتغيير أخلاق
الإنسان الموروثة والمستمدة من البيئة([42]).
ويميز الكتاب السلوكيون بين السلوك الأخلاقي وغيره
من أنماط السلوك ويعتبرون أن السلوك الأخلاقي عادة يندرج بحثه في اتجاهات ثلاثة
هي:
1-
التفكير الأخلاقي Moral Thought
2-
والانفعال
الأخلاقي Moral
Emotion
وأن السلوك الأخلاقي يتكون من أربعة مكونات
أساسية هي:
1-
فهم واكتشاف وتفسير الموقف وتحديد المسألة
الأخلاقية.
2-
تحديد ما يجب فعله في الموقف.
3-
تقويم سير الفعل الأخلاقي وما يجب على الفرد فعله
واقعياً.
4-
تنفيذ وتطبيق الفعل الأخلاقي.
وتعتبر هذه المكونات ضرورية للفعل الأخلاقي([44]).
وفي دراسة أجراها ألان بيشمنت بعنوان "
فاعلية الإدارة الوسطى : المفاهيم الأخلاقية بالقطاع العام بغرب استراليا"
توصل إلى أن السلوك غير الأخلاق في القطاع العام كان بسبب المشورة السيئة التي
يقدمها المستشارون للوزراء وكبار الموظفين. وأن ظاهرة الفساد والسلوك غير الأخلاقي
كانت السبب في الانهيار المالي في غرب استراليا([45]).
وخلاصة القول أنه من الصعب تعريف الأخلاق بشكل
محدد بحيث يحظى بالقبول من جميع الدارسين ولكن الأخلاق في الفلسفة تعني بمفاهيم
الخير والشر والخطأ والصواب، أما في إطار الخدمة العامة فيقصد بها ضوابط السلوك
للموظف العام التي تتعلق بما يجب أن يفعله الموظف وهي تعكس قيم المجمع. والموظف
العام في الخدمة العامة يقع في حيرة أثناء تعريف واجبات عمله بين الالتزام
بواجباته وعدم الوقوع في الإغراءات المالية التي قد تصادفه وبين الابتعاد عن نقد
رؤسائه وحمايتهم. وتبدو هذه المشكلة عند أخذ الاعتبارات السياسية في المقام الأول
بحيث يحافظ الموظف العام على حياده السياسي ويتمكن من احترام قيم المجتمع ومراعاة
قيم الأمانة والمحافظة على المال العام([46]).
رابعاً : مصادر علم الأخلاق
يشكل الدين والقيم والبيئة الاجتماعية والتشريعات
النافذة وآراء الفلاسفة والعلماء المصادر الأساسية لعلم الأخلاق وسنتناول هذه
المصادر بشيء من الاختصار والإيجاز وكما يلي([47]):
أولاً : المصادر الديني:
يشكل المصادر الديني أهم مصادر علم الأخلاق وذلك
لأنه لا تخلو أي ديانة سواء كانت سماوية أو غير سماوية من الحث على مكارم الأخلاق
والقيم الحميدة والفضائل بحيث يشكل الدين وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي في كافة
المجتمعات البشرية. وتختلف الديانات من حيث درجة التركيز على علاقة الفرد بالخالق
وعلاقة الفرد بالآخر في داخل المجتمع المعني.
ويمتاز الدين الإسلامي بأنه يشكل نظام حياة متكامل
فينظم علاقة الفرد بخالقه وعلاقة الإنسان بالإنسان في المجتمع الإسلامي. بينما
تقتصر بعض الديانات على تنظيم علاقة الفرد بالخالق وتنظيم محدود لعلاقات الفرد
بغيره في المجتمع. وتتشابه الديانات السماوية في جوانب عديدة كما تختلف في بعض
المفاهيم.
والدين الإسلامي تعرض إلى تنظيم الميراث ولتنظيم
الأسرة ومعاملة الزوجين ، ومعاملات البيع والشراء والمعاهدات والاقتصاد والعمل
الوظيفي وإطاعة أولى الأمر والتمسك بالأخلاق الحميدة([48]).
وحث الإسلام على الصبر في قوله تعالى "
واستعينوا بالصبر والصلاة"([49]).
وفي الأمانة قوله تعالى " إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"([50]).
وفي
الطاعة يقول تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله
واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا"([51]).
وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تشير بوضوح
إلى الأخلاق الإسلامية في التعامل في مختلف النشاطات والتي سيتم الإشارة إليها
لاحقاً.
ثانياً: البيئة
الاجتماعية
تشكل البيئة الاجتماعية بما فيها من قيم وعادات
وأعراف نظاماً ملزماً للأفراد بداخل المجتمع. ويبرز من خلال هذا النظام وجزئياته
مفاهيم الواجب الأخلاقي للفرد الذي يستند في بعض جوانبه على القيم العادات التي
يعيشها الفرد بداخل المجتمع وبما في ذلك القيم الدينية والعادات قوة مؤثرة على
سلوك الأفراد مثل قوة الغريزة سواء من حيث الشدة أو النظام، كما أن العقل البشري
والغريزة البشرية تمثل الوعي الاجتماعي للحياة.
والحياة الاجتماعية تفرض واجبات على الفرد يلتزم
بها تجاه المجتمع وهي ما يسمى بالأخلاق الاجتماعية تمييزاً لها عن الأخلاق
الإنسانية مثل الإخلاص والتضحية والمحبة التي ينشدها الفرد لما فيها خير له ولغيره
من أفراد المجتمع([52]).
وفي القديم كانت العادات هي الدين والعادات هي
الأخلاق ووظيفة الدين تحريم الخروج على العادات ومن هنا كانت الأخلاق والدين شيئاً
واحداً. وهذا التفسير معقول نظراً لأن وظيفة الدين والأخلاق تنظيم المجتمعات
البشرية كوسائل ضبط اجتماعية([53]).
وتشكل بيئة العمل جزءاً من البيئة الاجتماعية التي
يعيشها الفرد وتتأثر بيئة العمل بمجموعة القيم والمثل العليا بحيث تبدو ملزمة
للعاملين. وإذا كانت معرفة الأخلاق والقيم الأخلاقية مهمة فإن ترجمة الأخلاق إلى
ممارسة عملية تعتبر ركناً أساسياً للسلوك الأخلاقي ضمن البيئة الاجتماعية في
العمل.
وتسود في بيئة العمل قيم الإخلاص والالتزام بشروط
العقد والتمييز بين الخاص والعام واحترام التخصص والكفاءة والتقيد في مواعيد العمل
والمحافظة على قيمة العمل وتكاليفه المادية والالتزام بالقواعد الأخلاقية
والقانونية والإحساس بالمسؤولية والسرية في العمل وغيرها من القيم الحميدة في
العمل. وجميع هذه القيم لها جذورها في البيئة الاجتماعية وفي الوعي الاجتماعي
للحياة بشكل عام في المجتمعات المختلفة([54]).
وتشكل القيم أساساً للهيكل الأخلاقي في المجتمعات
البشرية ومثال ذلك قيمة الصدق في التعامل بين الناس سواء بداخل الأسرة أو في
المجتمع بشكل عام. ولا تكاد ديانة أو فلسفة إلا وتقر أن قيمة الصدق أساس الفضائل
العملية في الحياة الاجتماعية([55]).
وكذلك قيم الأمانة والعدل والوفاء وغيرها من القيم.
وتحتل الأسرة مكاناً هاماً في البنية الاجتماعية
العربية ويعتبر الولاء للأسرة ملزماً للفرد في المجتمعات العربية وبخاصة في
الأرياف رغم أن تأثير الأسرة بدأ يخف في بعض المدن الرئيسية وتبعاً لذلك بدأت
العصبية القبلية تتفاوت من إقليم لآخر ومن منطقة لأخرى. وليس بخاف ٍ أن أثر الأسرة
أو العائلة الممتدة لازال يؤثر على المصلحة العامة ومستوى الأخلاقيات في الإدارات
المتنوعة. وهذا التأثير يبدو في مظاهر سلوك الأفراد تجاه أفراد عائلتهم أثناء
تقديم الخدمة لهم. وقد يمتد ذلك أكثر من التعامل الموضوعي للمساعدة في الحصول على
العقود أو التعيينات أو عقود الإيجار المرتفعة ويمكن أن يتسم التعامل بالانحراف عن
قواعد السلوك الأخلاقي في الإدارات العامة.
ثالثاً: التشريعات النافذة:
يمثل القانون والتشريعات المختلفة وسائل لتنظيم
الحياة في أي مجتمع. على اعتبار أن القانون أو التشريع وليد حاجة في المجتمع توجب
تدخل السلطة التشريعية لتنظمها. ولهذا فالقانون أو التشريعات المنبعثة عنه تنظم
حاجات الناس في مجتمع ما.
ومثال ذلك القوانين والأنظمة والتعليمات المتعلقة
بالعمل في الإدارات الحكومية أو في القطاع الخاص والتي تحدد غالباً كافة الإجراءات
القانونية لمعالجة المخالفات وحالات الخروج على القانون كما تحدد واجبات الموظف
والإطار العام لمسؤوليته ضمن حدود وظيفته. وإذا نظرنا للوظيفة بأنها مركز قانوني
بما ترتب من حقوق وواجبات للأفراد نرى أن الموظف والمواطن كذلك يقع ضمن دائرة
القانون بحيث لا يوجد أي فرد لا يطبق عليه القانون. وهذا يعني إلزامية القانون
وشرعيته في الفصل في المنازعات المختلفة بين الأطراف المتنازعة في المجتمع.
والتشريعات النافذة تنظم سلوك الأفراد بداخل المجتمع والمؤسسات والإدارات في هذا
المجتمع.
وعند استعراض أنظمة الخدمة العامة في الدول
المعاصرة نجد أن التشريعات والأنظمة تحدد الإطار الأخلاقي للوظيفة العامة كما نصت
مثلاً المادة (77) من نظام الخدمة المدنية (40) لسنة 1982 وكذلك نصوص نظام الخدمة
المدنية رقم (1) لسنة 1988 فيما يتعلق بحقوق وواجبات الموظف الأردني، أو نظام
الخدمة المدنية رقم (1) لسنة 1998([56]).
كلام جميل
ردحذف